وهبة الزحيلي
106
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
اللّه على نفسه الكريمة تكرما وتفضلا ، كقوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام 6 / 54 ] . وفي هذا وعيد للكفار بالهزيمة ووعد وبشارة بالظفر للمؤمنين . روى ابن أبي حاتم والطبراني والترمذي وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على اللّه أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة » ثم تلا هذه الآية : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ . ثم أبان تعالى كيفية خلقه السحاب الذي ينزل منه الماء ، فقال : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ، فَتُثِيرُ سَحاباً ، فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً أي اللّه هو الذي يسير الرياح على وفق الحكمة ومقتضى الإرادة إلى الجهة المرادة ، فتحرك السحاب وتهيجه بعد سكونه ، فينشره في السماء ويجمعه ويكثره ، فيجعل من القليل كثيرا ، ثم يجعله قطعا متفرقة ذات أحجام متنوعة ، فتارة يكون السحاب خفيفا ، وتارة يأتي السحاب من جهة البحر مشبعا بالرطوبة ، ثقيلا مملوءا بذرات الماء ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا ، سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأعراف 7 / 57 ] . فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ، فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي فتنظر المطر أو القطر يخرج من وسط ذلك السحاب ، فإذا أصاب به اللّه بمشيئته بعض العباد والبلاد ، فرحوا بنزوله عليهم ووصوله إليهم ، لحاجتهم إليه . فقوله مِنْ خِلالِهِ الضمير عائد في الظاهر على السحاب ؛ إذ هو المحدّث عنه .